موت العلماء (2) .. حياة تنطوي وأمانة تورث 

 

 

توفي عدد من العلماء المعاصرين في العصر الحاضر، وكنت قد كتبت مقالة عن موت العلماء وآثاره، وما يجب بحالهم وعند موت أحدهم أتذكر دائماً قول النبي ﷺ: « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقَ عالماً أتخذ الناس رؤوساً جهّالاً يستفتون فيفتونهم برأيهم فيضلون ويضلون ».

حقاً إن رحيل العلماء ليس كسائر الرحيل، بل هو انطفاء مصباح من مصابيح الهداية، وانهدام معلم من معالم الرشاد، وغياب عمود من أعمدة كانت تسند قلوب الأمة وتوجه مسيرتها. وفي هذه الأيام نرثي بقلوبٍ دامعة وألسنٍ ذاكرة سماحة المفتي العام الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ رحمه الله، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد عمر حافل بخدمة العلم والتعليم، والتبليغ والنصح للولاة والعامة، والتوجيه في كل المناسبات والمحافل المتاحة، خطب في عرفات خمسةً وثلاثين عاماً، يذكّر الحجيج بكلمة التوحيد، ويوجههم إلى معاني الخشوع والاعتصام بالكتاب والسنة، حتى غدا صوته في عرفات علَماً من أعلام المناسك وذكرى لا تُنسى، وكذا في الجامع الكبير في الرياض (جامع الإمام تركي بن عبدالله  - رحمه الله - ).

لقد جمع – رحمه الله – بين العلم الغزير والورع العظيم، وبين قوة الحجة وحلاوة الأسلوب، وبين الثبات على المبدأ واللين في التعامل.

وقد أعطى جزءاً كبيراً من حياته في تعليم الشريعة في أروقة معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض، وكذا في كلية الشريعة بالرياض، متمماً الصلة بالعلم وطلابه بالإشراف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه مناقشاً وموجهاً. ولم يترك التدريس حتى بعد أن تعين نائباً للمفتي العام، وكذا وهو في منصب المفتي العام، وما ذاك إلا لحبه العميق للعلم والتعليم. امتاز حمه الله بميزات فريدة، منها مالم أعرف أحداً سلكها، ذلكم أنه حج عن عدد من الأئمة والعلماء ممن لم يكتب لهم الحج في حياتهم، ومنهم الإمام ابن رجب، وابن عبدالبر، والنووي، والمنذري، وابن حزم وغيرهم – رحمهم الله - ، في صورة عظيمة من الوفاء والإخلاص للأئمة والعلماء. ولقد عرفته - رحمه الله – عن كثب وحضرت بعض مجالسه، بل وشرفني في الحضور في مناسبات عندي، فاستفدت من توجيهاته، فهو بحق العالم المتواضع، والمربي الحليم، والناصح الأمين، فزادني يقيناً أن العلماء ورثة الأنبياء وأن بقاءهم حياة للقلوب، وأن رحيلهم مصابٌ للأمة جمعاء. إن فقده مسؤولية عظيمة على تلامذته وطلابه، أن يحفظوا ميراثه، ويظهروا مآثره، ويواصلوا مسيرته، كما أن من أعظم الوفاء له أن نُكرم من بقي من العلماء الأحياء، فنأخذ عنهم، ونقتدي بهم، فهم بقية السلف، وحلقة الوصل بين الماضي والمستقبل.

رحم الله سماحة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل علمه وآثاره صدقة جارية، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ونسأله تعالى أن يوفق علماءنا الأحياء ويبارك في أعمارهم وعلمهم وأعمالهم، ويجعلهم ذخراً للأمة، وحُماة للشريعة، وأعمدةً للهدى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله

وصحبه أجمعين          

                                             

   كتبه  / أ.د فالح بن محمد الصغير                                       

   2/ ربيع الثاني / 1447 هـ

 



بحث عن بحث