المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (9-15)
6-ومن الإحسان إليهم: الدعاء لهم بصلاح الدين والدنيا، فهذا دأب الأنبياء والصالحين مع أولادهم، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يدعو لصلاح نفسه وذريته، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(1) .
وقال أيضا: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾(2) إلى أن قال: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾(3) .
وذكر أن من صفات عباد الرحمن الدعاء لأنفسهم ولذريتهم، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾(4) .
للدعاء شأنٌ عظيمٌ في الإسلام غفل عنه كثير من الآباء، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾(5) ، فكان المطلوب من الآباء الدعاء للذرية والأولاد، ولكن انعكس الأمر عند بعض الآباء، فلم يدعوا لصلاح أبنائهم وبناتهم بل دعوا عليهم بالويل والعذاب لأدنى خطأ صدر من أحدهم، ويرجع ذلك إلى جهالة الوالدين بتأثير الدعاء، وقلة صبرهم وحلمهم.
فعلى الوالدين الصفح والتغاضي والصبر على الأطفال، فهم لم تتكامل عقولهم لذا يقع منهم الخطأ، فإذا حصل منهم الخطأ أو سوء خلق معهما فلا يدْعُوَا عليهم بالموت والمرض والعاهات والمصائب؛ لأنه لو قبلت دعوتهم لتأسفوا وندموا على فعلهم, قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّـهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾(6) ، فالواجب على الوالدين الصبر والتحمل، والتأديب بالضرب المناسب، فإن الطفل يتأثر بالضرب، أما الدعاء عليه فليس هو علاج نافع، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء على الأولاد فقال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم«(7)
وليعلم أن من الدعوات المستجابات دعوة الوالد على الولد، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده«(8)
وعَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَدَّاعٍ الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «دُعَاءُ الْوَالِدِ يُفْضِي إِلَى الْحِجَابِ«(9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) [البقرة:127-129]
(2) [إبراهيم:35]
(3) [إبراهيم:41]
(4) [الفرقان:74]
(5) [غافر:60]
(6) [يونس:11]
(7) رواه مسلم في الزهد، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، برقم: (3009).
(8) رواه أبو داود في الوتر، باب الدعاء بظهر الغيب، برقم: (1536)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في دعوة الوالدين، برقم: (1905).
(9) رواه ابن ماجه في الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، برقم: (3863).


يرجى الإنتظار...