المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (7-15)

4-ومن الإحسان إليهم العدل بينهم: إن العدل من أجلِّ وسائل التربية الإسلامية، فهو يقوي أواصر المحبة والمودة بين الأبناء، ويقوي ارتباطهم بوالديهم، وتفضيل بعضهم على بعض سبب رئيس لما يحصل بين الأبناء من كراهية وبغضاء، ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد الحذر، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: «سألتْ أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تُشهِد النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلامٌ فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: «ألك ولد سواه»، قال: نعم، قال: فأراه قال: «لا تُشهِدني على جورٍ». وفي رواية: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذًا«(1)

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه، وأن لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرِّهم به، واتفاقهم فيما بينهم؛ ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف، وعدم صبره عنه، وانشغاله به عنهم؛ سعوا في أمر وخيم، وهو التفريق بينه وبين أبيه فقالوا: ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(2)  وهذا صريحٌ جدًا أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا من التفريق بينه وبين أبيه هو تمييز بالمحبة«(3)

والعدل يكون في كل شيء؛ في العطايا والحديث، والقبلة، والابتسامة، والتشجيع على الخير، وتقويم السلوك، والدعاء لهم بالخير والصلاح، ونرى بعض الآباء يعجبان بالمتميز من أولادهما دون غيره, ويعاملانه معاملة غير التي يعاملان بها الآخر، وهذا يحطم ثقة غير المتميز بنفسه, ويزرع بذور الحقد على أخيه المتميز، كما أن ذلك يجر المتميز للاستكبار على إخوته، وسوء التعامل معهم، وبالتالي على قطيعة الرحم إذا كبروا.

سئل أحد الصالحين: أي ولديك أحب إليك؟ قال: هما مني بمنزلة السمع والبصر، فمن منا يفرق بين سمعه وبصره؟!

وهناك قضية يجب مراعاتها في قضية العدل بين الأبناء، ألا وهي العدل بين الذكور والإناث، فلا نفضل ذكرًا على أنثى ولا العكس، ولا نكن من الجاهليين الذين قال الله فيهم: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(4) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم: (2650).

(2) [يوسف:8-9]

(3) فوائد مستنبطة من قصة يوسف، للسعدي (ص 23-24).

(4) [النحل:58-59]



بحث عن بحث