المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (4-15)
والسيرة تدلنا على أولاد كان أحدهم مؤهلًا أن يؤم القوم وهو دون سن المراهقة، وذلك لحرصه على تعلم هذه الشعيرة الإسلامية، اقرأ هذه القصة اللطيفة عن عمرو بن سلمة وهو يؤم قومه: عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ الله أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى الله بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلامَ وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي، وَكَانَت الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلامِهِم الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَالله مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَت الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِن الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَت امْرَأَةٌ مِن الحَيِّ: أَلا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَروْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ«(1)
والصلاة من أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، لذا ليس معنى الحديث أننا لا نأمر أولادنا إلا إذا بلغوا سبع سنوات، بل ندربهم على الوضوء والصلاة، ونعلمهم كيفية الوضوء والصلاة، وما يفسدهما شيئًا فشيئًا، حتى إذا بلغوا سبع سنوات نحتم عليهم أداء الصلوات الخمس، غير أن التشديد والتأديب على تركها لا يكون إلا إذا بلغوا عشر سنوات. روى أبو داود وغيره عن هِشَام بْن سَعْدٍ حَدَّثَنِي، مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ خُبَيْبٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ - أي: على معاذ والقائل:هشام بن سعد - فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: مَتَى يُصَلِّي الصَّبِيُّ؟ فَقَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ فَمُرُوهُ بِالصَّلاةِ»(2). لذا على الوالدين أن يحرصا على تعليم أولادهم كيفية الوضوء والصلاة منذ نعومة أظفارهم.
ب- صيام رمضان، وهو من أركان الإسلام، وموجب للتقوى، وموصل لرضا المولى سبحانه، والولد إذا أطاق الصيام يؤمر به للتدريب عليه بدون إيجاب، والسلف كانوا يعوّدون أولادهم على الصيام عند استطاعتهم تحمل الجوع والعطش، ويستحب في أول الأمر للتدريب على الصيام رصد بعض الجوائز الخفيفة لمن يكمل صومه من أول النهار إلى غروب الشمس، ولا بأس أن تكون هذه الجائزة بشكل إعداد أكلة محببة عند الطفل، والصحابة كانوا يصوّمون أطفالهم صيام عاشوراء، ويخرِجونهم إلى المسجد، ويشغلونهم ببعض اللعب، روى مسلم عَن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: «أَرْسَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ المَدِينَةِ: مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ الله، وَنَذْهَبُ إِلَى المَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُم اللُّعْبَةَ مِن الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ. وفي رواية: وَنَصْنَعُ لَهُم اللُّعْبَةَ مِن الْعِهْنِ فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُم اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ«(3)
وعندما رأى عمر رضي الله عنه سكران في رمضان قال: «وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ. فَضَرَبَهُ«(4)
وقال ابن حجر : في شرح الباب: «قَوْلُهُ (بَابٌ صَوْمُ الصِّبْيَانِ)، أَيْ: هَلْ يُشْرَع أَمْ لا؟ وَالجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ لا يَجِبُ عَلَى مَنْ دُون الْبُلُوغ, وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِن السَّلَف، مِنْهُم ابْن سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيّ: أَنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِهِ لِلتَّمْرِينِ عَلَيْهِ إِذَا أَطَاقُوهُ, وَحَدَّهُ أَصْحَابُهُ بِالسَّبْعِ وَالْعَشْرِ كَالصَّلاة«(5)
ج- التدريب على الصدقة والإنفاق، وليعلم ولي أمر الطفل أن الزكاة واجبة فيما يملكه الطفل إذا بلغ النصاب، ويؤدي عنه وليه، ولا يترك أمواله محبوسة في خزانة حتى لا تأكله النفقات بل يتجر بها بأمانة وصدق، ولا يمكّن من التصرف في أمواله كيف شاء؛ لأن بها قوام الحياة، وهؤلاء سفهاء قد يتصرفون فيها بما يذهب أموالهم كلها، ولكن يتمرن الطفل على العطاء والصدقات كما يتمرن على الصلاة والصوم، فيعطى بعض ماله ليتصدق به، وكذا الوالد يجعل في يد ولده ريالًا أو ريالين ليدفع إلى فقير محتاج، وبذا يتربى على حب الصدقة والعطاء، ومواساة الفقراء والمساكين، ومساعدة المحتاج.
فالمهم أن الطفل يؤمر بجميع ما يستطيع القيام به من بقية أحكام الإسلام وتشريعاته، ويدرب عليها شيئًا فشيئا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري في المغازي، باب: وقال الليث...، برقم: (4302).
(2) رواه أبو داود في الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة, برقم: (497).
(3) رواه البخاري في الصوم، باب صوم الصبيان، برقم: (1960), ومسلم في الصيام، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه, برقم: (1136).
(4) ذكره البخاري تعليقًا في كتاب الصوم، باب صوم الصبيان.
(5) فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني، (4/200).


يرجى الإنتظار...