المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (3-15)
وليتذكر الوالد أن أحسن الهدايا التي يمكن له أن يقدمها لفلذة كبده هي التربية الحسنة، وتعليم الأدب الحسن، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ«(1)
فعلى الأبوين تعليم الطفل ما يجوز له وما لا يجوز، وما يجب عليه مما يحرم، سواء في العبادات والعقائد والمعاملات والأخلاق، كل ذلك في نطاق فهمه وإدراكه، مثل أن يرسخ في ذهنه أن الله واحدٌ، وأنه فوق العرش، وأنه سميعٌ بصيرٌ، وأن العبد يجب عليه أن يصلي لله، ويصوم لله، ويحلف بالله، وأن محمدًا رسول الله، ويغرس في قلبه محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن كتاب الله نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والأجر والثواب الذي يحصل لمن يتلوه ويحفظه، وأن لله ملائكة مقربين، ومنهم من يكتب أعمال العبد، ويحاسب عليه يوم القيامة، ويعلَّم الصدق والأمانة، ويبيَّن له تحريم الكذب والغش والكلام السيئ، وأن الله تعالى يغضب على الكذاب والغشاش، ولينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّم الحسن رضي الله عنه وهو صغير أن الصدقة لا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كِخْكِخْ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ«(2)
قال ابن حجر : في شرح الحديث: «وَفِي الْحَدِيثِ دَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَى الإِمَامِ, وَالانْتِفَاعُ بِالمَسْجِدِ فِي الأُمُورِ الْعَامَّةِ, وَجَوَازُ إِدْخَالِ الأَطْفَالِ المَسَاجِدَ وَتَأْدِيبُهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَمَنْعُهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ وَمِنْ تَنَاوُلِ المُحَرَّمَاتِ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ لِيَتَدَرَّبُوا بِذَلِكَ«(3)
ومن هنا وجب على الأب أن يدرك خطورة ما يُطعِم أهله وأولاده، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يمنع الطفل الصغير من أكل تمرة الصدقة فالأب أولى أن يراعي ما يطعم أهله، أمن الحلال يطعمهم أم من الحرام؟ كسبه طيب أم خبيث؟
يقول الإمام أحمد بن حنبل :: «ليتق الله العبد، ولا يطعمهم إلا طيبًا، لَبكاء الصبي بين يدي أبيه متسخطًا يطلب منه خبزًا أفضل من كذا وكذا يراه الله بين يديه«(4)
وفي هذه المرحلة يؤمر الطفل بجميع العبادات التي يستطيع فعلها، منها:
أ- أمره بأداء الصلوات الخمس، ويتطور هذا الأمر بتأكيده عليها بضربه ضربًا غير شديد ولا مؤثر تأثيرًا مستقبليًّا، كالضرب على الرأس أو الصدر ونحوه إن لم يصل الصلوات لوقتها، وذلك إذا بلغ العاشرة كما ورد ذلك في الحديث، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ«(5)
يقول صاحب عون المعبود: «قَالَ الطِّيبِيُّ: جَمَعَ بَيْن الْأَمْر بِالصَّلَاةِ وَالْفَرْق بَيْنهمْ فِي المَضَاجِع فِي الطُّفُولِيَّة تَأْدِيبًا لَهُمْ، وَمُحَافَظَة لِأَمْرِ الله كُلّه، وَتَعْلِيمًا لَهُمْ، وَالمُعَاشَرَة بَيْن الْخَلْق, وَأَنْ لَا يَقِفُوا مَوَاقِف التُّهَم فَيَجْتَنِبُوا المَحَارِم. انْتَهَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بَلَغَ عَشْر سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» يَدُلّ عَلَى إغِلَاظ الْعُقُوبَة لَهُ إِذَا تَرَكَهَا مُدْرِكًا«(6)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد, برقم: (1952).
(2) رواه البخاري في الزكاة، باب ما يذكر في الصدقة للنبي غ, برقم: (1491)، ومسلم في الزكاة، باب تحريم الزكاة على النبي غ, برقم: (1069).
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني (3/ 355).
(4) كتاب الورع لأحمد (ص:119-120).
(5) رواه أبو داود في الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، برقم: (495) وروى مثله الترمذي عن عبد الملك بن الربيع بن السبرة عن أبيه عن جده في الصلاة، باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، برقم: (407).
(6) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي، (2/ 162-163).


يرجى الإنتظار...