الوقفة الرابعة: الإحسان مع الله تعالى (5-7)

ومن الإحسان مع الله: إتيان العبادات كما شرعها على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، مراعيًا جميع آدابه وأحكامه.

كما جاء في فضل الوضوء عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمًا وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ غُفِرَ لَهُ مَا خَلَا مِنْ ذَنْبِهِ«(1)

وأوعد بالنار لمن لم يكمل الوضوء، كما جاء في حديث عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: «تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِن النَّارِ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا«(2)

وفي رواية مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوعدهم بالنار، ثم أمرهم بإسباغ الوضوء؛ فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِن النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ«(3)

وكذلك ورد حث شديد على مراعاة الإحسان في الصلاة، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ . وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(4) ، وذكر في موضع آخر أن التكاسل بالصلاة وعدم الخشوع فيها من صفات المنافقين، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّا قَلِيلًا(5) .

يقول الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: «يخبر تعالى عن المنافقين بما كانوا عليه من قبيح الصفات وشنائع السمات، وأن طريقتهم مخادعة الله تعالى، أي: بما أظهروه من الإيمان وأبطنوه من الكفران...ومن صفاتهم أنهم: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ التي هي أكبر الطاعات العملية؛ إن قاموا ﴿قَامُوا كُسَالَى﴾ متثاقلين لها، متبرمين من فعلها، والكسل لا يكون إلا من فقد الرغبة من قلوبهم، فلولا أن قلوبهم فارغة من الرغبة إلى الله وإلى ما عنده، عادمة للإيمان، لم يصدر منهم الكسل«(6)

وكما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهم، فعن أُبَيَّ بْن كَعْبٍ رضي الله عنه قال: صَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَقَالَ: «أَشَهِدَ فُلَانٌ الصَّلَاةَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَفُلَانٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ أَثْقَلِ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ المَلَائِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانُوا أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ«(7)

وعَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَامَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ.. تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ.. تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّت الشَّمْسُ فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَي الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ الله فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا«(8)

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الخشوع في الصلاة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَلَاةً ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: فِي الصَّلَاةِ وَفِي الرُّكُوعِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ«(9)

قال الحافظ في شرحه: «قوله: «كما أراكم» يعني مِنْ أَمَامِيْ... وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْخُشُوع فِي الصَّلَاة، وَالْمُحَافَظَة عَلَى إِتْمَام أَرْكَانهَا وَأَبْعَاضهَا، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَبِّهَ النَّاس عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِأَحْوَالِ الصَّلَاة, وَلَا سِيَّمَا إِنْ رَأَى مِنْهُمْ مَا يُخَالِف الْأولَى«(10)

كما أخبر في رواية: أن أجر الصلاة بحسب خشوعه في الصلاة، فعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَمَّارًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! لَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ خَفَّفْتَهُمَا. قَالَ: هَلْ نَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنْ خَفَّفْتَهُمَا، قَالَ: إِنِّي بَادَرْتُ بِهِمَا السَّهْوَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا عُشْرُهَا وَتُسْعُهَا أَوْ ثُمُنُهَا أَوْ سُبُعُهَا. حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِ الْعَدَدِ«(11)

وأيضًا: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا، أَوْ قَالَ: لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ«(12)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، برقم: (232).

(2) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم، برقم: (60).

(3) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم: (241).

(4) [الماعون:4 – 7]

(5) [النساء:142]

(6) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، (ص:174).

(7) سنن النسائي، كتاب الإمامة، باب الجماعة إذا كانوا اثنين، برقم: (844).

(8) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في وقت صلاة العصر، برقم: (413).

(9) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، برقم: (419).

(10) فتح الباري شرح صحيح البخاري لاين حجر العسقلاني (1/515).

(11) مسند أحمد (4/319).

(12) المرجع السابق (5/310).



بحث عن بحث