الوقفة الرابعة: الإحسان مع الله تعالى (2-7)

وقد نبه الحافظ ابن حجر في الفتح على ضلال بعض الصوفية، حيث حملوا هذا الحديث على مزاعمهم الباطلة، فيقول: «وَأَقْدَمَ بَعْض غُلَاة الصُّوفِيَّة عَلَى تَأْوِيل الْحَدِيث بِغَيْرِ عِلْم، فَقَالَ: فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَقَام المَحْو وَالْفَنَاء. وَتَقْدِيره «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ» -أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَصِرْ- شَيْئًا وَفَنِيت عَنْ نَفْسك حَتَّى كَأَنَّك لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فَإِنَّك حِينَئِذٍ تَرَاهُ. وَغَفَلَ قَائِل هَذَا - لِلْجَهْلِ بِالْعَرَبِيَّةِ- عَنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ المُرَاد مَا زَعَمَ لَكَانَ قَوْله: «تَرَاهُ» مَحْذُوف الْأَلِف ; لِأَنَّهُ يَصِير مَجْزُومًا, لِكَوْنِهِ عَلَى زَعْمه جَوَاب الشَّرْط, وَلَمْ يَرِد فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذَا الْحَدِيث بِحَذْفِ الْأَلِف, وَمَن ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتهَا فِي الْفِعْل المَجْزُوم عَلَى خِلَاف الْقِيَاس فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِذْ لَا ضَرُورَة هُنَا. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَا اِدَّعَاهُ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْله «فَإِنَّهُ يَرَاك» ضَائِعًا لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاط لَهُ بِمَا قَبْله. وَمِمَّا يُفْسِد تَأْوِيله رِوَايَة كَهْمَس، فَإِنَّ لَفْظهَا: «فَإِنَّك إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك»، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ, فَسَلَّطَ النَّفْي عَلَى الرُّؤْيَة لَا عَلَى الْكَوْن الَّذِي حَمَلَ عَلَى ارْتِكَاب التَّأْوِيل المَذْكُور, وَفِي رِوَايَة أَبِي فَرْوَة: «فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاك»، وَنَحْوه فِي حَدِيث أَنَس وَابْن عَبَّاس, وَكُلّ هَذَا يُبْطِل التَّأْوِيل المُتَقَدِّم. وَالله أَعْلَم«(1)

هذا هو الإحسان مع الله عز وجل كما جاء في الحديث، ويمكن أن نلخص شيئًا من مقتضياته:

الإحسان في التعامل مع الله إخلاص العبادة له سبحانه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّـهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ(2)  وقال أيضًا: ﴿قُلِ اللَّـهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي(3)  وقال أيضًا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ(4) وقال أيضًا: ﴿قل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(5) .

قال العلماء رحمهم الله تعالى: إن هذه الآية تشتمل على شرطي قبول العبادة، وهما: أن يكون العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكون موافقًا لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكما جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَن الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ«(6)

وقال النووي في شرحه: «مَعْنَاهُ أَنَا غَنِيّ عَن المُشَارَكَة وَغَيْرهَا, فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلهُ، بَلْ أَتْرُكهُ لِذَلِكَ الْغَيْر. وَالمُرَاد: أَنَّ عَمَل المُرَائِي بَاطِل لَا ثَوَاب فِيهِ, وَيَأْثَم بِهِ ُ«(7)

وقد جاء وعيد شديد لمن يعمل لأجل الناس ولا يخلص العمل لله وحده، فعن أبي هريرة ا قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ! فَقَدْ قِيلَ؛ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ! فَقَدْ قِيلَ؛ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ؛ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: كَذَبْتَ. وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ! فَقَدْ قِيلَ؛ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ, ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ُ«(8)

قال النووي في شرحه: «قَوْله صلى الله عليه وسلم فِي الْغَازِي وَالْعَالِم وَالْجَوَاد, وَعِقَابهمْ عَلَى فِعْلهمْ ذَلِكَ لِغَيْرِ الله, وَإِدْخَالهم النَّار: دَلِيل عَلَى تَغْلِيط تَحْرِيم الرِّيَاء وَشِدَّة عُقُوبَته, وَعَلَى الْحَثّ عَلَى وُجُوب الْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال, كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، وَفِيهِ: أَنَّ الْعُمُومِيَّات الْوَارِدَة فِي فَضْل الْجِهَاد إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ أَرَادَ الله تَعَالَى بِذَلِكَ مُخْلِصًا, وَكَذَلِكَ الثَّنَاء عَلَى الْعُلَمَاء وَعَلَى المُنْفِقِينَ فِي وُجُوه الْخَيْرَات كُلّه مَحْمُول عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ للهِ تَعَالَى مُخْلِصًا ُ«(9)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (1/ 120).

(2) [الزمر:11]

(3) [الزمر:14]

(4) [البينة:5]

(5) [الكهف:110]

(6) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم: (2985).

(7) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد التاسع، (18/ 115-116).

(8) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، برقم: (1905).

(9) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الخامس، (13/ 50-51).



بحث عن بحث